ما هو دور الدستور؟ خمسة أسباب للمشاركة في عملية صياغة الدستور- بقلم سوميت بيساريا

29/12/2014

بقلم سوميت بيساريا

المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات

www.idea.int

لا تفيد الدساتير في تعبيد الطرقات أو بناء الجسور. ولا يمكنها علاج الأمراض، وتعليم الأطفال أو توصيل الطعام إلى المائدة (أقلّه ليس مباشرةً). ويبدو أنّبعض الدول، مثل المملكة المتحدة، تدير أمورها على أفضل نحو من دون أيّ دستور مكتوب على الإطلاق. ما الذي يدفع بنا إذاً لكي نعير الدساتير اهتماماً؟

  1.      الدستور يحدّد مجتمعنا وهويتنا الوطنية

لا يرسم الدستور الحدود الفعلية للأراضي فحسب، بل يحدّد أيضاً من يكون موجوداً داخل المجتمع المحلّي، وما القيم التي يمثّلها مجتمعنا. في ما يتعلّق بما يشتمل عليه المجتمع المحلّي، يحدّد الدستور من هو المواطن وكيف يمكن للمرء أن يصبح مواطناً. كما يمكن أن يعترف ببعض المجموعات التي تشكّل جزءاً من المجتمع المنصوص عليه في الدستور. أما بالنسبة لتحديد القيم التي يمثّلها المجتمع المحلّي، فإنّ الدستور غالباً ما يتناول ما الذي يقوم عليه المجتمع – مثلاً يعرّف الدستور الفرنسي بفرنسا على أنها "جمهورية غير قابلة للانقسام، علمانية، ديمقراطية، واجتماعية". وقد استخدم الدستور في كلّ من تونس ومصر مصطلح "الدولة المدنية" لتحديد الجمهورية الجديدة، فيما أُعلنت أفغانستان "جمهورية إسلامية". أما دستور جنوب أفريقيا فيدرج مجموعةً من المبادئ المؤسّسة للدولة.

ولتكون هذه الرؤيا الوطنية صحيحةً، يجب أن يحدّدها الشعب نفسه.

  1.      الدستور ينصّ على حقوق المواطنين ويحدّدها

تتضمّن معظم الدساتير اليوم "ميثاق حقوق" يدرج حقوق المواطنين رعايا البلد (وفي بعض الحالات حقوق غيرهم أيضاً) التي لا يمكن انتهاكها. بذلك، يحدّ الدستور من سلطة الحكومة ويمنح المواطنين إمكانيات التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما ينصّ الدستور أيضاً على الآليات المناسبة لحماية هذه الحقوق وتطبيقها من خلال توجيه الهيئة التشريعية على درب صياغة قوانين تتماشى مع الحقوق الدستورية وتمكّن القضاة من حماية هذه الحقوق عندما تنتهك.

لربما يمثّل ميثاق الحقوق الرابط الأقرب الذي يجمع بين النص الدستوري وحياة المواطنين. أما كيف يحدّد النص هذه الحقوق بدقة فهنا موطن الفرق بين المجتمع الاستبدادي والمجتمع الحرّ والديمقراطي. ويتعين على المواطنين أن يتواصلوا مع الهيئة المكلّفة بصياغة الدستور ليس فقط بشأن الحقوق التي يجب تضمينها في الدستور، بل يفترض بهم أيضاً أن يولوا العناية الكافية لكيفية حماية هذه الحقوق وتطبيقها ولأي ثغرات في سياق الحقوق المنصوص عليها في الدستور.

  1.      الدستور يحدّد مؤسسات الحكم، ويوفّر "دليلاً" لسير أعمال هذه المؤسّسات

ينصّ الدستور على مؤسسات الحكم الأساسية لأداء الوظائف المختلفة – من إقرار القوانين، وإنفاذها، وتفسيرها، وتسيير العلاقات مع الحكومات الأجنبية، وتوفير الأمن الوطني، وطباعة الأموال، وتنظيم الاقتصاد، إلخ. تضمن الدساتير الديمقراطية الحدّ من سلطة الحكومة من خلال اعتماد مبدأ فصل السلطات، وإنشاء سلطات حكم مختلفة لأداء الوظائف المختلفة، بحيث يكون لكل سلطة مسؤولية على السلطات الأخرى.

كما ينصّ الدستور أيضاً على كيفية انتقال السلطة (الانتخابات) والآليات التي يمكن من خلالها تقييد أو إقالة من يسيء استخدام السلطة (مثلاً من خلال آليات الاتهام أو الاستدعاء، أو من خلال إنشاء لجان مستقلة تعمل على مراقبة سير أعمال الحكومة).

تعتبر وظيفة الدستور هذه مهمةً جداً ويمكن أن تؤدي دوراً حاسماً في تفاقم النزاع أو حلّه. فهي تحدّد كيفية تقاسم السلطة بين أفراد المجتمع، وكيف يمكن للمواطنين إخضاع الحكومة للمساءلة، وكيفية انتقال السلطة مع مرور الزمن. في حال كان على الحكومة فعلاً أن تمثّل الشعب، وتستجيب لطلباته، فلا بد من أن يكون للمواطنين صوت في تحديد نظام الحكم في الدستور.

  1.      يمكن للدستور أن يوفّر الحماية للمجموعات المهمّشة ضمن الدولة

تتكوّن الدول في أغلب الأحيان من مجموعاتٍ مختلفة. سواء كانت هذه المجموعات مختلفةً من حيث الإثنية، أو الدين، أو الأقاليم، غالباً ما تسعى كلّها إلى فرض شكلٍ من أشكال السلطة على شؤونها الخاصة مع بقائها في الوقت نفسه جزءاً من المجتمع الوطني. ووفقاً لمكان تمركز هذه المجموعات إقليمياً، ينصّ الدستور على شكلٍ من أشكال اللامركزية في السلطة، بما في ذلك النظام الفدرالي حيث تتوافر مستويات مختلفة للحكم، على الصعيدين الوطني ودون الوطني، فيما يكون لكل مجموعة نطاق السلطة الخاص بها والذي يتمتع بالحماية. يحدّد الدستور الصلاحيات التي تمنح لكل مستوى، وغالباً ما تُعطى الوحدات الفرعية الصلاحيات لمعالجة القضايا المحلية مثل الرعاية الصحية والتعليم، وتنصّ على وسائل حلّ النزاعات بين الوحدات الفرعية والحكومة المركزية (وفي ما بين الوحدات الفرعية).

كما يمكن للدساتير أن تنصّ أيضاً على أشكال أخرى من الاستقلالية المحدودة. على سبيل المثال، قد يسمح للمجموعات الدينية في حلّ نقاشاتها الخاصة بما يتوافق مع القانون الديني، كما يحق للمجموعات اللغوية أن تعترف بأكثر من لغة رسمية واحدة، والمحافظة على ثقافة كلّ مجموعة من خلال الاستقلالية على النظام المدرسي مثلاً.

إن الاعتراف بالمجموعات والحماية التي يمكن منحها إياها قد تمثّل عنصراً أساسياً لتأليف تركيبة دستورية ناجحة. في المجتمعات المنقسمة، يجب أن يقيم الدستور التوازن الصحيح بين توفير الاستقلالية الكافية للمجموعات والوحدات الفرعية، مع تعزيز الروابط الوطنية في الوقت نفسه التي من شأنها أن تمتدّ عبر الانقسامات المجتمعية وتجمع بين المجموعات المختلفة كدولة واحدة.

كما هي حال ميثاق الحقوق، غالباً ما يشغل هذا الجزء من الدستور الاهتمام العام. فمن المهمّ ضمان أن تكون الأقسام ذات الصلة من إطار العمل الدستوري ممثلةً لمصالح المجموعة ككل، وليس فقط مصالح من يهدف إلى تمثيل المجموعة.

  1.      الصلابة والمرونة

أخيراً، توفّر الدساتير الحماية لذاتها. فمن خلال تحديد معايير تعديل الدستور على مستوى يفوق صياغة القوانين العادية، يضمن الدستور أن تكون هذه القواعد الأساسية في موقعٍ لا يمكن للأكثريات السياسية العابرة في الحكم الوصول إليه. كما يمكن للدستور تحديد ثبات بعض القواعد بشكلٍ دائم (مثل ميثاق الحقوق، والمبادئ المؤسسة، وطبيعة الدولة، والحدود المفروضة على الولاية الرئاسية)، فينصّ الدستور على عدم تعديلها مطلقاً.

في الوقت نفسه، من غير الممكن أن يُحدّد الدستور بشكلٍ ثابت على نحوٍ لا يمكن للأجيال المستقبلية تعديله. فاحتياجات المجتمعات ومواصفاتها تتغيّر مع مرور الزمن، ويجب أن يكون الدستور قابلاً للتكيّف مع السياق المتغيّر عندما تدعو الحاجة لذلك.

تمثّل عملية صياغة الدستور فرصةً نادرةً للشعب، باعتبار الدستور السلطة ذات السيادة في تحديد القواعد التي على أساسها سيخضع الشعب للحكم. وبالتالي، فإنّ ضمان إمكانية تكيف هذه القواعد مع الظروف المتغيّرة، ولكن شرط الموافقة عليها من قبل قاعدة واسعة من الأفراد، يؤكّد على استفادة المواطنين من هذه الفرص بالحدّ الأمثل.

بالمختصر، تمثل عملية صياغة الدستور فرصةً نادرةً للأفراد للاجتماع معاً من أجل مناقشة مسائل أساسية حول هويتنا كشعب، ومن نريد أن يمثلنا وكيف نرتئي علاقتنا مع الحكومة والمواطنين، وبين المواطنين أنفسهم. في وقتٍ لا يمكن فيه للدستور توفير الطعام للجائع أو بناء المدارس بين ليلةٍ وضحاها، إلاّ أنّ القرارات التي تتخذ خلال عملية الصياغة تحدّد مستقبل البلاد، والمواطنين، والأجيال القادمة.

Thank you! You have been subscribed.
Oops! Something went wrong while submitting the form.

سجل للحصول على المستجدات

تحديث منتظم من محامون من أجل العدالة الى بريدك